تغالوغ ... !



تغالوغ ... ! (1)

 كنت أجلس على الكرسي الأسود الذي طلبت إصلاحه منذ أيام، و كانت أمامي كومة من الأوراق التي لا أعرف كيف تزداد، كانت الطاولة تتوسل إلي أن أريحها من الحمولة التي على ظهرها، و كانت الممرضة تروح و تجيء بين سرير الفحص و خزانة الأوراق، كانت تزيل الورق القديم من على السرير بعد خروج مريض لتضع ورقا جديدا استعدادا لمريض قادم ، كنت أرفع نظارتي التي نزلت قليلا لتزعج أنفي، لم أكن أعرف لماذا نسيت ساعتي اليوم، و حتى الجوال أعرف أنه لن يزعجني اليوم لأنني نسيته كعادتي هو الآخر، كنت بلباس عادي ، فأنا لا أحب ذلك اللباس الرمز لمهنتي، لأن حبي للأطفال كان يمنعني من ارتداء ما يخيفهم، و هكذا تحللت منه، كنت أشعر أن دماغي يتحرك داخل رأسي باتجاهات عديدة حتى كدت أتخيله يريد أن يخرج من أي فوهة يصل إليها سواء كانت أذني أم عيني أم أنفي أم ربما فمي، كان الصمت مع حركة الممرضة يخيم على سماء العيادة و لكن لثوينات ليس إلا ، فالباب سيفتح قبل أن أكمل ما أفكر به.
رأيت يد الباب تتحرك نحو الأسفل ، علمت أن المريض قادم، تابعت حركتها، ثم رفعت بصري قليلا حيث أن الباب بدأ ينفتح، فتحه الرجل نصف فتحة، و دخل، كان سمينا كما هم معظم رجال و ربما نساء هذه الأيام، و لكن من لباسه عرفت أنه الأب و ليس السائق و لا الخادم، و منيت النفس بأنني سأحصل منه على قصة مفصلة حول طفله المريض، ألقى السلام على ما أذكر ، ورددت عليه ربما ، وكانت عيناي تدوران في حجريهما خلف العدسات تحاولان تأمل الصبي الذي يجري خلف أبيه ، لمحته ، وابتسمت له فرد البسمة ويده كانت بيد الخادمة ، ومع بسمته أدار رأسه نحو اليسار ورفعه نحو الأعلى ببسمة ساحرة تتلألأ على شفتيه ، وكأنه كان يقول للخادمة الفليبينية انظري حتى هذا هو صديق لي ، وزع فرحه بيني وبين خادمته ، كان الأب قد جلس على الكرسي الأخضر الكبير الذي أمام مكتبي ، وصار يعبث بالمفكرة ، وبعلبة الأقلام ، أخذ بطاقة لي دونت عليها هواتف و ألقاب منسية ، و لغاية في نفس يعقوب وضعها في جيبه ، ثم أخذ أخرى ، ثم أخرج بطاقة من جيبه كانت شفافة وغريبة علي ، حيث يبدو أنه رجل عليه قيمة كما يقال ، ووضعها على مكتبي وحاول تقريبها مني لتلامس يدي ، وأردفها بأخرى ملونة أخرج قلمه الأنيق ليدون عليها رقم جواله، ووضعها فوق سابقتها ، حاولت أن أسأل عن سر قدوم الطفل ، عن قصته ، وعن مرضه ، عن سعاله ، وعن حرارته ، وفهمت من الإيماءات والحركات أن علي أن أتفاهم مع الخادمة ، فهو لا يعرف عن ذلك كثيراً ، ولكن كون الأم في فرح "الجيران" في الحي بعد "الآخر" فقد اضطر للقدوم مع الصغير 0
فكرت في نفسي هل أطلب من ممرضتي أن تتفاهم مع خادمة مريضي فوجدت أنني كمن يمسك الأذن اليمنى باليد اليسرى ، فقلت في نفسي الطريق الأقصر أن أتفاهم أنا مع هذه البراءة ، هذا الطفل الرائع الذي لم يبخل علي ببسماته ، وصعد إلى سرير الفحص من دون حتى أن أطلب منه ، واستعد للفحص وكأنه يفهم ما أريد ، قلت له : "كيف حالك حبيبي ؟" ، اختفت بسمته ، ضاعت في سراديب مجهولة ، وتبعتها بسمتي رغم محاولتي الإحتفاظ بها ، ظننت أنني جرحته ، فقلت له :" ما شاء الله أنت رائع ، ما اسمك يا صغيري ؟" ، وهنا شعرت أن لونه قد تغير من كلامي ، نظر لخادمته ، فنظرت هي الأخرى إلي، ثم نظرت إلى ممرضتي ، تكلمت بضع كلمات بلغتها ، فردت عليها ممرضتي ، ثم نطقت اسمه : " فيصل" ، وبدأت تحكي لممرضتي الفلبينية بالتغالوغ وممرضتي تترجم لي بالإنكليزية ، ومن ثم تكلم الطفل بالتغالوغ ، وكان لطلاقته الأعجمية وقع الصاعقة على رأسي، ودار الحديث بين أطراف عدة ، وكنت أدور بينهم كالأبله أو المجنون ، كان لابد لي أن أسمح لدماغي بالخروج من أقرب فوهة يصلها هذه المرة كي لا تكتمل "زفة الأطرش" 0
عرفت أن الطفل لا يعرف العربية إلا شذرات، فحصته ، كتبت الوصفة ، دعوت له بالشفاء ولكنني شعرت بالأسى عندما تأكدت أنه يفقه لغة خادمته الأعجمية أكثر من كلام أمه التي حملته في بطنها و ربما رضع من ثديها ، تلك الخادمة التي أصبحت واسطتنا في التخاطب معه والطلب إليه أن يفتح فمه أو يستلقي على السرير أو يجلس ، كتبت له العلاج الذي دعوت الله أن يشفيه من مرض ألم به يومها ، ولكن شعرت أن الدواء ليس بالذي كتبت ، وأن هناك وصفة أخرى يجب أن تسطر ، مسكت قلمي عله يفرج عني ، وفكرت ، تذكرت المثل العربي " العلم في الصغر كالنقش في الحجر " ، قلت في نفسي إن هذا الذي تربى والخادمة تملأ عليه المكان لابد وأن يأخذ من ثقافتها وتربيتها ونظرتها ، صحيح أنها قد تكون وضيعة الثقافة بمنظار الشهادات والدرجات ، ولكن لها خلفيتها الإجتماعية وعاداتها وتقاليدها ولغتها وموروثاتها التي أخذتها عن بيئتها التي غالباً ماتكون مغايرة لبيئتنا ، وهذه مهما حرصنا لابد وأن تصل لأطفالنا بشكل أو بآخر ، بالشعور أو باللاشعور ، وربما يكون فيها الشيء المدمر الذي لا نريده ، فكرت هل يحق لأحدنا أن يسلم الخادمة زمام أمانة يجب ألا تحملها غير أعناقنا ، إنها أمانة الأطفال جيل الغد والمستقبل هؤلاء الذين يجب أن نبذل الغالي والرخيص من أجلهم .
صحوت من غفوتي واتجهت بحديثي للأب معطياً إياه تعليمات الدواء ، كنت أحدثه بالعربية ويحدثني بالإنكليزية ، صرت باللاشعور أحدثه بالإنكليزية ، وأكملت الحديث ، والوصفة لم تكتمل ، ونزلت الدموع من عيني تبلل كومة الأوراق ، ورفعت رأسي ، وقلت له :" ألا تتكلم العربية يا أخي ؟"، فقال :" Sure sir I am Arabian " ، رفعت رأسي ، وانفتح فمي كالأبله ثانية ، وسقط القلم من يدي ، وخرجوا تسبقهم براءة الطفل يودعني بلغة يديه التي لم يحرموه إياها ، نظرت ليد الباب تتحرك للأعلى ببطء ، وصحوت على كابوس كان حقيقة... و الكرسي الأسود لا يزال... .
(1) التغالوغ : لغة أهل الفلبين.

Share on Google Plus

About Unknown

    Blogger Comment
    Facebook Comment